عبد الرحمن بن ناصر السعدي
715
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
البصيرة في دين الله . فوصفهم بالعلم النافع ، والعمل الصالح الكثير . * ( إنا أخلصناهم بخالصة ) * عظيمة ، وخصيصة جسيمة وهي : * ( ذكرى الدار ) * جعلنا ذكرى الدار الآخرة في قلوبهم ، والعمل لها صفوة وقتهم ، والإخلاص والمراقبة لله ، وصفهم الدائم ، وجعلناهم ذكرى الدار ، يتذكر بأحوالهم المتذكر ، ويعتبر بهم المعتبر ، ويذكرون بأحسن الذكر . * ( وإنهم عندنا لمن المصطفين ) * الذين اصطفاهم الله من صفوة خلقه . * ( الأخيار ) * الذين لهم خلق كريم ، وعمل مستقيم . * ( واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار ) * أي : واذكر هؤلاء الأنبياء بأحسن الذكر ، وأثن عليهم أحسن الثناء . فإن كلا منهم ، من الأخيار الذي اختارهم الله من الخلق ، واختار لهم أكمل الأحوال ، من الأعمال ، والأخلاق والصفات الحميدة ، والخصال السديدة . * ( ه ذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب * جنات عدن مفتحة لهم الأبواب * متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب * وعندهم قاصرات الطرف أتراب * ه ذا ما توعدون ليوم الحساب * إن ه ذا لرزقنا ما له من نفاد ) * * ( هذا ذكر ) * أي : ذكر هؤلاء الأنبياء الصفوة وذكر أوصافهم ، ذكر في هذا القرآن ذي الذكر ، يتذكر بأحوالهم المتذكرون ، ويشتاق إلى الاقتداء بأوصافهم الحميدة ، المقتدون ، ويعرف ما من الله عليهم به من الأوصاف الزكية ، وما نشر لهم من الثناء بين البرية . فهذا نوع من أنواع الذكر ، وهو ذكر أهل الخير ، ومن أنواع الذكر ، ذكر جزاء أهل الخير ، وأهل الشر ، ولهذا قال : * ( وإن للمتقين ) * ربهم ، بامتثال الأوامر ، واجتناب النواهي ، من كل مؤمن ومؤمنة . * ( لحسن مآب ) * أي : لمآبا حسنا ، ومرجعا مستحسنا . ثم فسره وفصله فقال : * ( جنات عدن ) * أي : جنات إقامة ، لا يبغي صاحبها بدلا منها ، من كمالها ، وتمام نعيمها ، وليسوا بخارجين منها ، ولا بمخرجين . * ( مفتحة لهم الأبواب ) * أي : مفتحة لأجلهم أبواب منازلها ومساكنها ، لا يحتاجون أن يفتحوها ، بل هم مخدومون . وهذا دليل أيضا ، على الأمان التام ، وأنه ليس في جنات عدن ، ما يوجب أن يغلق لأجله أبوابها . * ( متكئين فيها ) * على الأرائك المزينات ، والمجالس المزخرفات . * ( يدعون فيها ) * أي : يأمرون خدامهم ، أن يأتوا * ( بفاكهة كثيرة وشراب ) * من كل ما تشتهيه نفوسهم ، وتلذه أعينهم . وهذا يدل على كمال النعيم ، وكمال الراحة والطمأنينة ، وتمام اللذة . * ( وعندهم ) * من أزواجهم ، الحور العين * ( قاصرات الطرف ) * على أزواجهن ، وطرف أزواجهن عليهن ، لجمالهم كلهم ، ومحبة كل منهما للآخر ، وعدم طموحه لغيره ، وأنه لا يبغي بصاحبه بدلا ، وعنه عوضا . * ( أتراب ) * أي : على سن واحد ، أعدل سن الشباب وأحسنه وألذه . * ( هذا ما توعدون ) * أيها المتقون * ( ليوم الحساب ) * جزاء على أعمالكم الصالحة . * ( إن هذا لرزقنا ) * الذي أوردناه على أهل النعيم * ( ما له من نفاد ) * أي : انقطاع ، بل هو دائم مستقر في جميع الأوقات ، متزايد في جميع الآنات . وليس هذا بعظيم على الرب الكريم ، الرؤوف الرحيم ، البر الجواد ، الواسع الغني ، الحميد اللطيف الرحمن ، الملك الديان ، الجليل الجميل المنان ، ذي الفضل الباهر ، والكرم المتواتر ، الذي لا تحصى نعمه ، ولا يحاط ببعض بره . * ( ه ذا وإن للطاغين لشر مآب * جهنم يصلونها فبئس المهاد * ه ذا فليذوقوه حميم وغساق * وآخر من شكله أزواج * ه ذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالو النار * قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار * قالوا ربنا من قدم لنا ه ذا فزده عذابا ضعفا في النار * وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار * اتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبص ر * إن ذلك لحق تخاصم أهل النار ) * * ( هذا ) * الجزاء للمتقين ما وصفناه * ( وإن للطاغين ) * أي : للمتجاوزين للحد في الكفر والمعاصي * ( لشر مآب ) * أي : لشر مرجع ومنقلب . ثم فصله فقال : * ( جهنم ) * التي جمع فيها كل عذاب واشتد حرها ، وانتهى قرها * ( يصلونها ) * أي : يعذبون فيها عذابا ، يحيط بهم من كل وجه ، لهم من فوقهم ظلل من النار ، ومن تحتهم ظلل . * ( فبئس المهاد ) * المعد لهم مسكنا ومستقرا * ( هذا ) * المهاد ، وهذا العذاب الشديد ، والخزي ، والفضيحة ، والنكال . * ( فليذوقوه حميم ) * ماء حار ، قد اشتد حره ، يشربونه ، فتقطع أمعاؤهم . * ( وغساق ) * وهو أكره ما يكون من الشراب ، من قيح وصديد ، مر المذاق ، كريه الرائحة . * ( وآخر من شكله ) * أي : من نوعه * ( أزواج ) * أي : عدة أصناف ، من